ظاهره يدلُّ على أنَّه إنَّما كره أنْ يقول : وأتوب إليه
وهذا ظاهره يدلُّ على أنَّه إنَّما كره أنْ يقول : وأتوب إليه ؛ لأنَّ التوبة النصوحَ أنْ لا يعودَ إلى الذنب أبداً ، فمتى عاد إليه ، كان كاذباً في قوله : (( أتوب إليه )).
وكذلك سُئِل محمدُ بن كعب القُرظِيُّ عمَّن عاهد الله أنْ لا يعود إلى معصية أبداً ، فقال : من أعظم منه إثماً يتألَّي على الله أنْ لا ينفذ فيه قضاؤه ، ورجَّح قوله في هذا أبو الفرج ابنُ الجوزي ، ورُوي عن سُفيان بن عُيينة نحو ذلك .
وجمهورُ العلماء على جواز أنْ يقول التائب : أتوبُ إلى الله ، وأنْ يُعاهِدَ العبدُ ربَّه على أنْ لا يعود إلى المعصية ، فإنَّ العزم على ذلك واجبٌ عليه ، فهو مخبر بما عزم عليه في الحال ، لهذا قال : " ما أصرَّ من استغفر ، ولو عاد في اليوم سبعين مرة " . وقال في المعاود للذنب : " قد غفرتُ لعبدي ، فليعمل ما شاء " .
وفي حديث كفارة المجلس : "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ." ، وعَنْ أَبِى أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِىِّ أَنَّ النَّبِىَّ -- أُتِىَ بِلِصٍّ قَدِ اعْتَرَفَ اعْتِرَافًا وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -- :« مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ ». قَالَ: بَلَى. فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَ وَجِىءَ بِهِ فَقَالَ: « اسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَتُبْ إِلَيْهِ ». فَقَالَ : أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ ، فَقَالَ: « اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ ». ثَلاَثًا .
واستحبَّ جماعة من السَّلف الزيادة على قوله : " أستغفر الله وأتوب إليه " فعن يزيد بن الأصم قَالَ : سَمِعَ عمرُ بنُ الخطاب رَجُلًا يَقُولُ : أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : " أَتْبِعْهَا أُخْتَهَا : فَاغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي "
وسئل الأوزاعيُّ عن الاستغفار : أيقول : أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحيّ القيوم وأتوبُ إليه ، فقال : إنَّ هذا لحسن ، ولكن يقول : ربِّ اغفر لي حتى يتمَّ الاستغفار .
وأفضل أنواع الاستغفار : أنْ يبدأ العبدُ بالثَّناء على ربِّه ، ثم يثني بالاعتراف بذنبه ، ثم يسأل الله المغفرة، فعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ : سَيِّدُ الاِسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ : اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي ، وَأَنَا عَبْدُكَ ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ ، أَصْبَحْتُ عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ ، وَأَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذُنُوبِي ، فَاغْفِرْ لِي ، إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ.
وفي الصحيحين عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّديقِ , رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؛ أنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ : عَلِّمْنِي دُعاءً أدْعُو بِهِ فِي صَلاَتي ، قَالَ : قُلِ : اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا ، وَلاَ يَغْفِرُ الْذُّنُوبَ إِلا أنْتَ ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ ، وَارْحَمْنِي ، إِنَّكَ أنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ..
ومن أنواع الاستغفار أنْ يقولَ العبدُ : " أستغفرُ الله الذي لا إله إلا هو الحيّ القيُّوم وأتوب إليه " فعن زَيْدٍ مَوْلَى النَّبِىِّ -- أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -- يَقُولُ: « مَنْ قَالَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِى لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ » .
وعَنْ خَبَّاب بن الأرتِّ ، قَالَ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ أَسْتَغْفِرُ ؟ قَالَ : " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ، وَتُبْ عَلَيْنَا ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ "
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ : أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ رَسُولِ اللهِ .
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : كَانَ الْمُصْطَفَى يَسْتَغْفِرُ رَبَّهُ جَلَّ وَعَلاَ فِي الأَحْوَالِ عَلَى حَسَبِ مَا وَصَفْنَاهُ ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ، وَلاِسْتِغْفَارِهِ مَعْنَيَانِ :
أَحَدُهُمَا أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلاَ بَعَثَهُ مُعَلِّمًا لِخَلْقِهِ قَوْلاً وَفِعْلاً ، فَكَانَ يُعَلِّمُ أُمَّتَهُ الاِسْتِغْفَارَ وَالدَّوَامَ عَلَيْهِ ، لِمَا عَلِمَ مِنْ مُقَارَفَتِهَا الْمَآثِمَ فِي الأَحَايِينِ بِاسْتِعْمَالِ الاِسْتِغْفَارِ .
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق